الرأي الحر

بقلم
محمد كشكار
مقارنة بين فكر الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم وفكر رواد الحداثة الأوروبية في القرون الوسطى
 في هذا المقال القصير، سأحاول أن أجري مقارنة مختصرة بين فكر النهضة الأوروبية في العصور الوسطى (القرنين الرابع عشر ميلادي والخامس عشر ميلادي) وفكر الرّسول صلى الله عليه وسلم (القرن السابع ميلادي):
(1)
 لم نُولِ اهتماما لأروع ما في ديننا الحنيف من قيم إنسانية مجردة سامية ونبيلة تتمثل في العلاقة العمودية والمباشرة بين الخالق والمخلوق حيث لا هداية ولا وصاية لأي مخلوق على مخلوق مثله، صفات أخَصّ الله بها نفسه وحده ولم يمنحها حتى لعباده من الرسل والأنبياء، قال تعالى مخاطبا رسوله الكريم وخاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلّم: «إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (سورة القصص - الآية 28).
بعد مرور ثمانية قرون على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، اكتشف المصلح الألماني العظيم «مارتن لوثر» هذه المفاهيم الإسلامية المجرّدة أو قد يكون ربما استوحاها من القرآن دون قراءة مباشرة، تبنّاها وتجاهل أصلها العربي الإسلامي المحتمل وجمّلها وأدلجها وأقلمها وكيّفها ثم مسّحها (من المسيحية) وأضافها إلى المبادئ الأساسيّة لمذهب البروتستانتية المسيحيّة وقام بثورة دينيّة ضدّ سلطة البابا الكاثوليكية ونزع عن هذا الأخير قداسته ووساطته بين الله وعباده المؤمنين وألغى صكوك غفران البابا المزيفة وأباح الزواج لرجال الدين المسيحيين (وهو مباح لكل المسلمين بما فيهم علماء الدّين منذ عهد الرّسول في القرن السابع ميلادي).
(2)
 بناء على مقولات «لورنزو قالا»، أكبر شعراء إيطاليا بالعامّية (كانت في ذلك الزمن اللهجة الإيطالية تُعتبر عامية أما الفصحى فهي اللغة اللاتينية، لغة أوروبا المشتركة مثل ما هي العربية الفصحى عندنا اليوم مشتركة في العالم العربي) وأعظم فلاسفة النهضة الأوروبية في القرن الرابع عشر في كتابه «المتع والملذات» الذي يدعو فيه على لسان أحد شخصيّات الكتاب إلى التّمتع بملذات الدنيا في انتظار ملذّات الجنة، حتّى الحسية منها والجنسية ويبشّر بوجود مثلها في الجنّة بمعية الملذات الرّوحية. 
يبدو لي أنّه من حقي  أن أقارن بين فكر نهضة الأوروبيين في القرون الوسطى وفكر نهضة الرّسول محمد صلى الله عليه وسلم الذي أباح قبل «لورنز قالا» بسبعة قرون في القرآن الكريم وفي سنّته الحميدة كل متع وملذات الدّنيا الحسّية (سوى الدّم والميتة والخمر ولحم الخنزير وما أهِلّ لغير الله) والجنسية على شرط أن تُمارس داخل العلاقات الشّرعية كالزّواج وما ملكت أيمانكم (مع الإشارة أن حق «ما ملكت أيمانكم» قد أصبح لاغيا ونسيا منسيّا في عصرنا واكتفى المسلمون، عن اقتناع،  بالزّواج بواحدة وفي حالات نادرة بأكثر من واحدة).
استنتاج:
يبدو لي أنه من حقي في الأخير أن أستنتج من هذه المقارنة البسيطة غير المعمّقة علميّا أن المفهوم النهضاوي ينطبق على الرّسول أكثر مما ينطبق على النهضاويين الأوروبيين في القرون الوسطي وللأسف الشديد لا يمكن أن ينطبق هذا المفهوم تماما على بعض الإسلاميين المعاصرين اليوم الذين لم يستنبطوا شيئا ولم يطوّروا شيئا بل يريدون تحريم الاجتهاد (الذي ساد في عهد عمر بن الخطاب، الخليفة الراشد الثاني، رضي الله عنه)، وتكفير الإبداع في جميع المجالات، الدينية منها والدنيوية (الفنية والفلسفية والاجتماعية وحتى في بعض الحقول العلمية المحرمة كالإنجاب بمساعدة طبية أو استنساخ الأعضاء لزرعها). أما بعض السلفيين، فيبدو لي أنهم أكثر رجعية من بعض الإسلاميين لأنهم لم يأخذوا عن الرسول إلا عاداته في الملبس والمأكل والمشرب وتركوا الأهم في سيرته الذاتية والذي يتجسّم في عبقريته الفذة ومنهجيته الثّورية وعقليته التحديثية والتجديدية والتنويرية والنهضاوية بالمقارنة مع ما يقع في عصره.
-----
 مواطن العالم
mkochkar@gmail.com