حديقة الشعراء

بقلم
عبداللطيف العلوي
عادات سيف الدولة
 يقُولُ المُتنبّي: 
« لكلِّ امرئ مِنْ دَهْرِهِ ما تَعَوّدَا
         وعادَةُ سيفِ الدّوْلةِ الطّعنُ في العدى»
وأَقُولُ: 
وَ مَنِ الْعِدَى ؟! 
مَنْ غيرُنا نحنُ الْعِدَى؟
نحنُ الَّذينَ تَشابَهتْ أَسْماؤُنا وسَماؤُنا ...
مُنذُ الْيمامَةِ، 
لاَ نرى إِلاَّ بِأَعْيُنِهِمْ .. !
وَ لاَ صوتٌ لنا غيرُ الصَّدَى ..
نحنُ الّذينَ دِماؤُنا ونِساؤُنا لاَ تُفْتَدَى، 
مِنْ سَيْفِ ذي يَزَنٍ، 
وسيفِ الدَّوْلَةِ العربِيِّ، والسّيفِ اليَمَانِي ...
نحنُ أَيْتامُ الغَوانِي ..
كلّما ضَحِكَ الزّمانُ لنا بَكَتْ، 
مِنّا الْعيُونُ وَأَخْلَفَتْ كمْ مَوْعِدَا ...
نَحنُ الهنودُ السُّمْرُ،
 كَمْ عِشْنَا نُنَغِّصُ هَدْأَةَ السَّحَرِ الْجميلِ 
على شبابيكِ الْأَميرةِ،
كَمْ جَرَحْنا وَرْدَ خُلْوتِها الْمُدَلَّلَ بالتّفاصيلِ الصَّغيرَةِ،
عنْ ليالِي البَرْدِ في تلكَ الجبالِ النّائِياتِ ، 
وَ دُورِنا وَ قُبُورِنا ..
ودفاتِرِ العُمْرِ الَّتي احتَرَقَتْ سُدَى ...
وَأَضَلُّ مِنْ قِطَطِ الشَّوارِعِ نحنُ، 
نَعْوِي تحتَ زَخّاتِ الْمَطَرْ،
وأَذَلُّ مِنْ كَفِّ الْيَتِيمِ تَدُقُّ بابًا مُوصَدَا 
فَمَنِ الْعِدَى ؟؟
نَامَتْ حذامِ ... وأَسْرَفَ الشُّعراءُ في الْكَذِبِ،
لِسيْفِ الدَّولةِ العربِيِّ عاداتٌ ..
ومِنْ عادَاتِهِ أَنْ يُسْرِجَ الشَّعبَ الْكَرِيمَ 
وأَنْ يَشُدَّ لهُ اللِّجامْ !
ومِنْ عادَاتِهِ في كُلِّ عَصْرٍ أَنْ تَخِرَّ لهُ الْجَبابِرُ 
كلَّما بَلَغَ الْفِطَامْ !
ومِنْ عادَاتِهِ صَيْدُ الأَرانِبِ:
كَانَ يُطْلِقُ بَعْضَنا فينا كِلاَبًا ...
يُطْلِقُ الْباقِينَ مِنَّا في الفلاةِ طَرائِدًا مَفْجُوعَةً ..
ويَظَلُّ يَرْقُبُنا بِلَهْفَةِ عاشِقٍ ...
حتّى إِذا سَقَطَتْ طَريدَتُهُ زَهَا طَرَبًا، وعِشْنَا في سَلاَمْ!!
ومِنْ عاداتِهِ أَنْ تَمْرَحَ الْقِططُ الْجَمِيلةُ في فراشِهِ،
كَيْ يَنامْ 
وَمِنْ عادَاتِهِ أَنْ تَأْكُلَ الطَّيرُ الْكَواسِرُ 
مِنْ موائِدِهِ العَلِيَّةِ بيْنَما ...
تتَآكلُ الأَسْماكُ جُوعًا تحتَ مائِدَةِ اللِّئَامْ !
ومِنْ عاداتِهِ أَنْ يُسْتَتابَ إذا تكلَّمَ،
مَنْ يُخالِفُهُ الْكَلاَمْ !
ومِنْ عادَاتِهِ قَطْفُ النُّهودِ، أَو الرُّؤوسِ 
إِذا هِيَ قَدْ أَيْنَعَتْ ...
وتِلاوةُ الْقُرْآنِ، والشِّعْرِ الفَصيحِ، 
ورَقْصَةُ الدِّيكِ الذَّبيحِ إِذا تَقاطَعَتِ الْحُسَامْ!
وَ مِنْ عادَاتِهِ أَنْ يُدْخِلَ الأَعداءَ غُرْفَةَ نَومِهِ
ويُطِلَّ مِنْ شُرُفاتِها أَسدًا عليْنَا 
لاَ يُطالُ ولاَ يُضَامْ !
ومِنْ عاداتِهِ أَنْ يَرْكَبَ الأَشْلاَءَ، 
يَأْتِي قاتِلاً لأَبيهِ، أَوْ مُتَمَرِّدًا ...
ويمُوتُ مَقْتُولاً على الْخَازُوقِ أَوْ تحتَ الرُّكامْ
ومِنْ عادَاتِهِ أَنْ يَرْجُمَ الشَّيْطانَ باسمِ اللهِ، 
أَنْ يُعْطي ويَأْخُذَ ما يَشاءُ 
ويَقْسِمَ الأَرْزَاقَ باسمِ اللهِ، 
أَنْ يُحْيِي بِها ويُمِيتَ فِيهَا مَنْ يَشاءُ
وَيَرْفَعَ الْمِيزانَ باسمِ اللّهِ 
أَنْ يَغْدُو إِلاهًا فَوقَ هَذِي الأَرْضِ باسمِ اللهِ، 
تَعبُدُهُ الْكنائِسُ والْمَساجِدُ 
و الْكواكِبُ و النُّجومُ عَلى الدَّوامْ .. !
وَمِنْ عادَاتِهِ الأُخرى كثيرٌ أَيُّها الْمدّاحُ لستَ تَعُدُّها ...
أَتظنُّ أَنَّ قَصائدَ الشُّعراءِ تَكْفِي 
كيْ يَصِيرَ الْحُرُّ عَبْدًا 
أَوْ يَصِيرَ الْعَبْدُ حُرَّا سيِّدَا؟!
هِيَ فِتْنَةٌ ..
الشِّعرُ فِي أَرْضِ السَّواقِطِ واللَّواقِطِ فِتْنَةٌ 
كَالْجِنْسِ والْأَفْيُونِ والنّومِ الثَّقِيلِ وَزَفَّةِ السُّلْطانِ 
تُولَدُ شَاعِرًا أوْ تاجِرًا 
وَ تَضيعُ بيْنَهُمَا إذا جَعَلُوكَ قُفْلاً زَائِدَا .. 
يا صاحِبي .. كلُّ العَطايَا مُرَّةٌ! !
فانْزِلْ بدارِ الذُّلِّ إِنْ عَزَّ الرَّحيلُ، 
وَ لاَ تَمُدَّ لَهُمْ يَدَا ..
------
- شاعر تونسي
alouiabdellatif222@gmail.com
من ديوان : « عادات سيف الدولة «